الوسواس القهري

الاضطراب الوسواسي القهري  هو اضطراب نفسي يشعر فيه المصاب أنّ فكرة معيّنة تلازمه دائماً وتحتلّ جزءًا من الوعي والشعور لديه وذلك بشكلٍ قهري، أي أنّه لا يستطيع التخلّص أو الانفكاك منها، مثل الحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات وطقوس بشكل متكرّر، أو أن تسيطر فكرة ما على الذهن بشكل لا يمكن التفكير بغيرها. كما يعرّف الوسواس القهري بأنّه فكر متسلّط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته؛ ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به. يلاحظ تكرار هذه الأفكار أو الممارسات بشكل دوري وعلى فترات طويلة نسبياً، ومن أمثلتها غسل اليدين أو عدّ الأشياء أو تفحّص قفل الباب والشبابيك، كما يندرج تحت الأمثلة أيضاً الصعوبة التي قد يواجها البعض عند التخلّص من الأشياء ورميها خارجاً. عادةً ما تؤثّر هذه الأفكار والعادات والممارسات سلباً على الحياة اليومية للأشخاص المصابين بهذا الاضطراب؛حيث تستلزم منهم ما يفوق الساعة في اليوم الواحد للقيام بها بشكل دوري. تترافق مع ممارسات الاضطراب الوسواسي القهري عادة تشنّجات لاإرادية واضطرابات القلق وزيادة في خطورة احتمالية حدوثانتحار. لا تزال أسباب الاضطراب الوسواس القهري غير معروفة بالشكل الكامل من الناحية البيولوجية؛ على الرغم من وجود عوامل وراثية مؤثّرة أمّا العوامل النفسيّة فتتضمّن سجلّاً من التعرّض إلى إساءة المعاملة في مرحلة الطفولة أو أي حوادث أخرى مسبّبة للتوتّر النفسي المرضي. يتمّ التشخيص بناءً على الأعراض ويتطلّب إقصاء أيّة مسبّبات طبّيّة أو دوائيّة أخرى. يمكن استخدام مقاييس مثل مقياس ييل-براون الوسواسي القهري  للمساعدة في تقدير درجة الاضطراب من الاضطرابات الأخرى التي لها أعراض مشابهة للاضطراب الوسواسي القهري كلّ من اضطراب القلق والاضطراب الاكتئابي واضطراب الأكل واضطراب الشخصية الوسواسية.

الوساوس البدائية

أحياناً ما يبدو الاضطراب الوسواسي القهري أقلّ حدّة وذلك من غير حدوث وساوس قاهرة جهاراً. تدعى هذه الوساوس غير القاهرة بالوساوس البدائية أو الأوّلية أو الوساوس الصرفة، وهي التي تميّز الحالات في اضطراب  إلى مدى يصل في بعض التقديرات إلى حوالي 50% إلى 60% منها.على الرغم من ذلك، فإنّ هذه الوساوس غير القاهرة منهكة ومتعبة، وخاصّة إذا كانت مصحوبة بالقلق والخوف من الأذى أو الخطر المحيق المميت بالشخص نفسه أو من حوله.

على الرغم من عدم الحاجة إلى الإتيان بممارسات قاهرة علانية، إلّا أنّ الأشخاص المصابين بهذا النوع من الوساوس قد يمارسون طقوساً معينة خفاءً، أو قد يشعرون بضرورة تجنّبهم للمواقف التي قد تسمح للأفكار المتدخّلة أن تبرز. كنتيجة لهذا التجنّب قد يكابد هؤلاء الأشخاص العناء بشكل كبير من أجل محاولة ملء أدوارهم الاجتماعية على الصعيد العام والخاص، حتى وإن كانت هذه الأدوار ذات أهمّية كبيرة لهم في الماضي

يعد التسحّج العصبي (أو اضطراب كشط الجلد) من العادات القاهرة

.

الوساوس القهرية الدينية

من أشكال الوساوس القهرية أيضاً الوساوس المتعلّقة بالأمور الغيبية والدينية، ويتمثّل ذلك بظهور أفكار دخيلة تتعلّق بالعقيدة على هيئة تشكيك إيماني، وقد تقترن بممارسات سلوكية متعلّقة بالعبادات مثل تكرار الوضوء والإعادة المتكرّرة للصلاة عند المسلمين. بالتالي يمكن تقسيم أعراض الوسواس القهري الديني إلى وساوس العبادات (مثل الطهارة والصلاة والصيام وغيرها)، والوساوس التعمّقية (مثل التعمّق في الأسئلة الفقهية) ووساوس دينية أخرى (مثل الوساوس الكفرية ووساوس لفظة الطلاق ووساوس العين والحسد وغيرها)

تجدر الإشارة إلى أنّ مفهوم الوساوس في هذا الاضطراب النفسي يختلف عن مفهوم الوسواس الديني المنسوبة وفقاً للاعتقاد إلى الشياطين أو الجن مثلاً.

العادات القاهرة

يقوم بعض المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري بممارسة عادات وطقوس قاهرة لأنّهم يشعرون وبشكل غير قابل للتوضيح أنّ عليهم القيام بذلك، في حين أنّ البعض الآخر يقومون بتلك العادات القاهرة لأنّ ذلك يخفّف من حدّة القلق المصاحب لأفكار معيّنة متدخّلة على الذهن. يمكن للمصاب أن يشعر أنّ هذه التصرّفات ستقوم بشكل ما بمنع حدث مخيف من الوقوع، أو أنّها ستدفعهم للتفكير بأمر آخر غير ذلك الحدث. على أيّ حال، فإنّ التعليل الذي يقدمه المصاب حول الدوافع غالباً ما تكون لها خصوصية ذاتية بشكل كبير، أو أن تكون غير واضحة المعالم، ممّا يؤدّي إلى بؤس وانزعاج واضح للمصاب وللمحيطين به. يعتمد الناس على العادات القاهرة من أجل الهروب من الأفكار الوسواسية، رغم أنّهم يدركون أنّ الراحة الناجمة عن هذه الممارسات ما هي إلا حالة مؤقّتة، وسرعان ما تؤوب تلك الأفكار المتدخّلة على الذهن قريباً.

من أمثلة العادات القاهرة المصاحبة للاضطراب الوسواسي القهري كلّ من سحج وكشط الجلد الشديد وهوس نتف الشعر وقضم الأظافر، بالإضافة إلى الاضطرابات السلوكية القاهرة الأخرى ضمن الطيف الوسواسي القهري التي تؤثّر بشكل متكرّر على البدن. من العادات القاهرة الشائعة أيضاً الإفراط في غسل اليدين والتنظيف وفي تفقّد الأشياء (مثل قفل الباب) أو السؤال المتكرّر عن الأشخاص والاطمئنان عنهم. تختلف العادات القاهرة عن العرّات أو التشنّجات اللإرادية مثل الملامسة أو الحكّ أو التربيت؛ كما تختلف عن اضطراب الحركة التكراري مثل قدح الرأس وأرجحة البدن، والتي عادةً هي ليست بتعقيد العادات القاهرة لكنها لا تنشأ بسبب الوساوس. على الرغم من ذلك يوجد صعوبة بالتفريق بين العادات القاهرة والتشنّجات اللاإرادية المعقّدة؛ إذ أنّ التداخل والارتباط بينها يصل في بعض الأحيان إلى نسبة 40% من المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري.

الأداء الذهني

يعتقد بعض المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري بأفكار معيّنة ويعطونها أهميّة أكبر من قدرها. يؤدّي هذا الإفراط في تقدير الأفكار إلى حدوث مشاكل وصعوبة في تطبيق أسلوب علاج التعرّض و منع الاستجابة، بسبب امتناعهم وعدم رغبتهم في التعاون بشكل طوعي. هناك حالات بالغة الشدّة يصل فيها الأمر إلى درجة الاضطرابات الذهنية.

أكّد تحليل تلوي أجري سنة 2013 أنّ الأشخاص المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري لديهم عجز معرفي متوسّط إلى واسع المدى، وخاصّة فيما يتعلّق بالذاكرة المكانية (الذاكرة المتعلّقة بالبيئة المحيطة وبالاتجاهات)، وإلى حدّ أقلّ بالذاكرة اللغوية من حيث اختيار الكلمات والألفاظ، وبالأداء التنفيذي وسرعة المعالجة، في حين أنّ الانتباه السماعي لم يتأثّر بشكل كبير. كما بيّنت دراسة أخرى أنّ المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري يبدون عجزاً في صياغة استراتيجيات تنظيمية لعددٍ من المهام الذهنية.

الأسباب

لا يوجد سبب واحد محدّد لمرض الاضطراب الوسواسي القهري؛ ولكن يعتقد أنّ العوامل الجينية (الوراثية) والبيئية المحيطة تلعب دوراً في التسبّب به، وما يزيد من احتمالية الإصابة به وجود سجلّ من إساءة المعاملة في مرحلة الطفولة، أو العوامل الأخرى المسبّبة للتوتّر. بالإضافة إلى ذلك هناك عدد كبير من الدراسات يربط بين الوظائف الحيوية للدماغ وبين السلوك الوسواسي القهري.

العوامل الوراثية

أظهرت بعض الدراسات وجود بعض المكوّنات الوراثية (الجينيّة) المتأثّرة والمرتبطة بالاضطراب الوسواسي القهري وذلك في التوائم الحقيقية بشكل أكبر من التوائم غير الحقيقية. كما أنّ الأفراد امصابين بالاضطراب الوسواسي القهري غالباً ما يكون لديهم واحد من أفراد العائلة من الرتبة الأولى مصاباً بنفس الاضطراب، وعندما يتطوّر الاضطراب في الصغر، فإنّه غالباً ما يكون بسبب عائلي أكبر منه عند تطوّره عند البالغين. على العموم، يعزى حوالي 45-65% من حالات الإصابة بالاضطراب الوسواسي القهري عند الأطفال إلى عوامل وراثية جينيّة. وهذا ما أثبتته أدلّة دعمت احتمالية وجود استعداد متوارث في النمو العصبي الداعم لحدوث الاضطراب. كما عُثر على وجود ترابط بين الاضطراب الوسواسي القهري مع وجود طفرة في الجين المسؤول عن نقل السيروتونين  وذلك في عيّنة عائلات لا قربى بينها.

وفق اعتبار آخر حسب علم النفس التطوّري فإنّ الأشكال المعتدلة من السلوك القهري ربما كان لها إيجابيات تطوّرية؛ ومن أمثلة ذلك المتابعة المستمرّة للنظافة وتكديس الطعام وتفقّد الموقد والاحتراس من اقتراب الأعداء. بالتالي فإن الاضطراب الوسواسي القهري يمكن أن يكون الطرف الأقصى الإحصائي لهذه السلوكيّات والناشئ عن “تكدّس” لجينات مهيّئة لهذا الأمر.

البيئة المحيطة

في رأي مثير للجدل اقترحت فرضية  وجود علاقة بين بداية واستهلال الاضطراب الوسواسي القهري عند الأطفال والبالغين مع متلازمة مرتبطة بعدوى من بكتريا العقدية المقيّحة تعرف اختصاراً باسم باندز(بانداس)

الوظائف الحيوية

أظهر التصوير العصبي الوظيفي لدماغ المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري أثناء ظهور الأعراض عليهم وجود نشاط غير طبيعي في منطقة القشرة الجبهية الحجاجية، وفي الجانب الأيسر الظهراني الجانبي للقشرة أمام الجبهية، وفي الجانب الأيمن من القشرة أمام الحركية، وفي الجانب الأيسر من تلافيف الفصّ الصدغي العلوي، وفي الكرة الشاحبة الخارجية وفي منطقة الحصين والجانب الأيمن من المعقف. كما لوحظ وجود فرط في النشاط في الجانب الأيسر من النواة الذنبية، وفي التلفيف الحزامي الخلفي.إلّا أنّ تحليلاً تلوياً يعود إلى سنة 2004 بيّن أنّ المناطق التي يحدث فيها تكرار لفرط النشاط بشكل ثابت لدى المصابين بالاضطراب الوسواسي القهري في الدماغ هي الفصوص المدارية ورأس النواة الذنبية؛ أمّا باقي المناطق فكانت البيانات فيها متفاوتة ومتباينة. بالإضافة إلى ذلك لوحظ وجود تشابه وترابط في آليات نظام المسار العصبي بين الاضطراب الوسواسي القهري واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، حيث يكمن التشابه في الاختلال الوظيفي في منطقة القشرة الحزامية الأمامية والقشرة أمام الجبهية، بالإضافة إلى نواقص مشتركة في الوظائف التنفيذية،كما لوحظ وجود صغر في حجم الجانب الظهراني الجانبي للقشرة أمام الجبهية.